أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

178

نثر الدر في المحاضرات

ذمّهم ؛ فيعدّ ذلك غلّا منك فإنه إذا رأى كثرة إطرائك للنّاس ، وذمّهم ضرّ ذلك صديقك وإن كان محقّا ، وأمن عدوّك كيدك وإن كان معورا . وعليك بالقصد والتحرز ؛ فإنّه إن يعرفك به كنت لعدوّك أضرّ ولصديقك أنفع . لا تتورّد على السّلطان بالدّالة وإن كان أخاك ، ولا بالحجّة وإن وثقت أنّها لك ، ولا بالنصيحة ، وإن كانت له دونك فإنّ السّلطان تعرض له ثلاث : القدرة دون الكرم ، والحميّة دون النّصفة ، واللّجاج دون الحظّ . سئل بعضهم : أيّ شيء أرفع بذكر الملوك ؟ قال : تدبيرهم أمر البلاد بعدل ، ومنعهم إيّاها بعزّ . قيل : فما الذي على الملوك لرعيتهم ، وما الذي على الرعيّة لملوكهم ؟ قال : على الملوك لرعيّتهم ما تأمن عليه أنفسهم ويرغد عليه عيشهم . وللملوك على رعيّتهم الشّكر والنّصيحة . اعلم أن الملوك تحتاج إلى الوزير ، وأشجع الرّجال يحتاج إلى السّلاح وأجود الخيل يحتاج إلى السّوط ، وأحدّ الشّفار يحتاج إلى المسنّ . صلاح الدنيا بصلاح الملوك ، وصلاح الملوك بصلاح الوزراء ، ولا يصلح الملك إلّا لأهله ولا تصلح الوزارة إلّا لمستحقّها . أفضل عدد الملوك صلاح الوزراء الكفاة ؛ لأنّ في صلاحهم صلاح قلوب عوامّهم لهم . خير الوزراء أصلحهم للرعيّة ، وأصدقهم نيّة في النّصيحة ، وأشدهم ذبا عن المملكة ، وأشدّهم بصيرة في الطّاعة ، وآخذهم لحقوق الرّعية من نفسه وسلطانه . ليس شيء للملوك أولى بالفرح والسّرور به في ملكها من سيرة حسنة يسيرونها ، وسنّة صالحة يجرونها ، ووزير صالح يؤيّدون به . الوزير الخيّر لا يرى أنّ صلاحه في نفسه كائن صلاحا حتّى يتّصل بصلاح الملك ورعيّته ، وتكون عنايته فيما عطف الملك على عامّته ، وفيما استعطف قلوب العامة على الطّاعة لملكه ، وفيما قوّم أمر الملك والمملكة من تدبيره ، حتّى يجمع إلى أخذ الحقّ وتقديمه عموم الأمن والسّلامة ، ويجمع إلى صلاح الملك صلاح أتباعه ، وإذا طرقت الحوادث ، ودهمت العظائم ، كان للملك عدّة وعتادا ، وللرعية